محمد بن وليد الطرطوشي

165

سراج الملوك

وقال كسرى « 1 » : اتفقت ملوك العجم على أربع خصال : أن الطّعام لا يؤكل إلا على شهوة ، والمرأة لا تنظر إلا إلى زوجها ، والملك لا يصلحه إلا الطاعة ، والرعية لا يصلحها إلا العدل ، وأحق الناس بإجبار نفسه على العدل الملوك ، الذي بعدلهم يعدل من دونهم ، والذين إذا قالوا أو فعلوا ، كان نافذا غير مردود . وقالت الحكماء : رم ما شئت بالإنصاف ، وأنا زعيم لك بالظّفر به ، والظلم أدعى شيء إلى تغيير نعمة أو تعجيل نقمة . وقال الحكيم : شرّ الزّاد إلى المعاد الذنب بعد الذّنب ، وشر من هذا العدوان على العباد ، ومتى أراد السلطان حسن الصّيت « 2 » ، وجميل الذكر ، فليقم سوق العدل ، وإن أحبّ الزّلفى عند الله « 3 » وشرف المنزلة عنده ، فليقم سوق العدل ، وإن أحبّهما جميعا فليقم سوق العدل . والذي يخلد به ذكر الملوك على غابر الدهور ، عدل واضح ، أو جور فاضح ، هذا يوجب له الرحمة ، وهذا يوجب له اللعنة . أما القسم الثاني من العدل وهو السياسة الإصلاحية : - وإن كان أصلها على الجور - فيقوم بها أمر الدنيا ، وكأنها تشاكل « 4 » مراتب الإنصاف ، على نحو ما كانت عليه ملوك الطوائف في أيّام الفرس ، وكانوا كفارا يعبدون النيران ، ويتبعون هواجس الشيطان ، فوضعوا بينهم سننا ، وأسسوا لهم أحكاما ، وأقاموا لهم مراتب في النّصفة بين الرعايا ، واستجباء الخراجات « 5 » ، وتوظيف المكوس « 6 » على التّجارات ، كل ذلك بعقولهم على وجوه ما أنزل الله بها من سلطان ، ولا نصّب عليها من برهان ، بيد أنه لما جاءت الشريعة من عند الله تعالى على لسان نبيه ، صاحب المعجزة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فمنها ما أقرّته في نصابه ، ومنها ما نسخته وأبطلت

--> ( 1 ) كسرى : سبقت ترجمته . ( 2 ) الصيت : الذكر الحسن . ( 3 ) الزلفى إلى الله : التقرب إليه . ( 4 ) تشاكل : تشابه . ( 5 ) استجباء الخراجات : أي جباية الخراج ، ( المال المفروض على الأرض أو الجزية ) . ( 6 ) المكوس : دراهم كانت تؤخذ من بائعى السلع في أسواق الجاهلية ، أو ما يأخذه أعوان الدولة عن أشياء معينة عند بيعها أو عند إدخالها المدن .